تشهد معظم مناطق الأهوار في جنوب العراق انخفاضاً حاداً في مناسيب المياه ما أدى مؤخراً إلى نزوح عشرات العوائل الريفية باتجاه مراكز المدن القريبة من الأهوار هرباً من الجفاف
وقد تبلورت هذه الأزمة في مرحلة تبذل فيها الحكومة العراقية مساعي حثيثة لإعادة توطين مئات العوائل التي سبق أن نزحت من مناطق الأهوار بعد أن تعرضت إلى التجفيف المتعمد خلال العقد الأخير من القرن الماضي لأسباب وصفت آنذاك بـ"الأمنية". الحكومة المحلية في محافظة البصرة كانت أول من دق ناقوس الخطر إزاء استفحال ظاهرة الجفاف في مناطق الأهوار وحذرت على لسان رئيس لجنة إنعاش الأهوار الدكتور حامد الظالمي من مغبة أن تتسبب شحة المياه بالقضاء على الأهوار في غضون السنوات القليلة القادمة. يؤكد الظالمي أن أبرز الأسباب التي تكمن وراء تفاقم ظاهرة الجفاف تتمثل في "محدودية الدفعات المائية التي ترفد الأهوار بالمياه فضلاً عن قيام السلطات الإيرانية مطلع العام الحالي بإطلاق مشاريع تقضي بتجفيف مساحات واسعة من الأهوار القريبة من الحدود العراقية الإيرانية، وكان هور الحويزة الأكثر تضرراً من جراء ذلك، كما أن شركة نفط الجنوب وسعت مؤخراً من رقعة إنشاء السدود في مناطق الأهوار تمهيداً لتنفيذ مشاريع تتعلق باستخراج النفط." وأفاد الظالمي في حديث لإذاعة هولندا العالمية أن الحكومات المحلية في محافظات البصرة وذي قار وميسان "لا تمتلك القدرة على معالجة أزمة الجفاف لأن الحل له أبعاد متعلقة بالسياسة الخارجية للعراق" وتابع بالقول "نأمل من الحكومة المركزية في بغداد أن تقوم في القريب العاجل بمضاعفة الدفعات المائية الواردة إلى مناطق الأهوار من خلال إقناع الحكومة التركية بضرورة التقيد بالاتفاقيات الدولية السابقة بين البلدين والمتعلقة بتقاسم مياه نهري دجلة والفرات الذين ينبعان من تركيا." وأشار الظالمي وهو عضو في حركة الوفاق الوطني التي يتزعمها رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي إلى أن لجان إنعاش الأهوار في محافظات البصرة وذي قار وميسان "تتلقى سنوياً 150 مليون دولار من الحكومة المركزية بواقع 50 مليوناً لكل محافظة لكن تلك المبالغ لا تكفي لإنعاش الأهوار بصورة فعلية" على حد قوله. الباحث في مركز علوم البحار في جامعة البصرة ناصر عبد العظيم قال إن انخفاض مناسيب المياه في مناطق الأهوار يتفاوت من منطقة إلى أخرى وأضاف "أهوار محافظة البصرة (نحو 560 كم جنوب العاصمة بغداد) أكثر تأثراً بالجفاف ومن بعدها أهوار محافظة ميسان (320 كم جنوب العاصمة) حيث انخفضت مناسيب المياه التي تغمر الأهوار بمعدل 2-4 أمتار وهناك مساحات واسعة تحولت إلى أراض جافة والمشكلة الثانية التي لا تقل خطورة هي أن نسبة ملوحة المياه ارتفعت بفارق كبير عن السابق وهذا ما يفسر اختفاء بعض أنواع الأسماك والأحياء المائية الاخرى." واستدرك قائلاً "الكثير من سكان القرى نزحوا مؤخراً نحو مراكز الأقضية والنواحي القريبة من المدن للحفاظ على الجواميس والأبقار التي يمتلكوها كونها تمثل أحد أهم مصادر رزقهم."وبحسب الشيخ مهودر ياسر وهو من وجهاء عشيرة السيامر في هور المسحب الواقع شمال غرب محافظة البصرة فأن "سكان القرى المتناثرة في هور المسحب يعانون من تنامي ظاهرة الجفاف وعدم توفر المياه الصالحة للشرب" وتابع بالقول "معظم سكان القرى لاسيما النائية منها قلقون جداً من انعكاسات هذه المشكلة وأعتقد أن مغادرة هذه المنطقة هو الحل الأمثل للحفاظ على حياتنا وحياة الجواميس والأبقار." وأضاف "لقد ناشدنا الحكومة العراقية أكثر من مرة لكنها سقتنا بالوعود ولم توفر لنا المياه لحد الآن."تعد أهوار العراق من أكبر المستنقعات المائية في العالم وأكثرها ثراءً في تنوعها الأحيائي، وتبلغ مساحة الأهوار نحو 20 ألف كم2 وهي محطة كونية لرحلات الطيور المهاجرة، وطالما كانت الأهوار ملاذاً آمناً للثوار والمتمردين على السلطات، وهذا ما يفسر قيام نظام الحكم السابق بتجفيف مساحات واسعة من الأهوار من خلال إنشاء سدود ترابية وحرف مسار القنوات التي ترفد الأهوار بالمياه. ويطلق على سكان الأهوار أسم "المعدان" وهم يعيشون حياة بدائية إلى حد بعيد حيث يعتمدون كلياً على صيد الأسماك والزراعة وتربية الجواميس بينما تفتقر غالبية القرى التي يقطنون فيها إلى التيار الكهربائي أو الخدمات الضرورية الأخرى مثل شبكات الصرف الصحي ومياه الإسالة وحتى المدارس والمراكز الصحية
اذاعة هولندا العالمية / ماجد البريكان