
تخترق بصرتنا الحبيبة شوارع عدة يتم التنقل عبرها إلى مركز المدينة و أقضيتها , والشوارع الرئيسية منها عادة ما تكون مزدحمة طوال الوقت بالمتجولين والطلبة أوقات الدراسة او الموظفين بعد انتهاء عملهم , والزائرين الذين يبحثون عن الأماكن الخلابة .
ولكل شارع من شوارع بصرتنا طابع خاص يمتاز به برَّزت هذه مكمن الجمال رغم الإهمال الواضح , فجماليات هذه الأماكن تبقى عالقة بذهن من يزورها كونها فريدة وقلما تجد شبيهاتها في مدن العالم فهي تحمل بصمة هذه المدينة وخصوصيتها.
فمن هذه الشوارع شارع الكورنيش المحاذي لشط العرب وهو من الشوارع الخلابة , وقد تم إعادته لوضعه السابق بعد إزالة كل مظاهر العنف والموت من تماثيل ضباط سقطوا في الحرب وتم فتح مقاهي ومطاعم على ضفاف شط العرب وزين الشارع بشتلات الزهور ورمّم تمثال الشاعر الكبير بدر شاكر السياب , تلك اللمحات الفنية الطبيعية للكورنيش جعلته معلما من معالم البصرة اذ يقصده الناس للترفيه والاستمتاع بجمال شط العرب ولاسيما وقت الغروب ليجرنا بأمواجه الرائعة إلى ترانيم السياب وسحر غابات النخيل الممتدة على الضفة الأخرى التي ينقل إليها بواسطة المراكب الصغيرة المطلية بالألوان الزاهية والتي اعتنى بها أصحابها من اجل جذب الركاب إليها للنقل إلى (التنومة) او من اجل النزهة بين أحضان شط العرب .
ولو تجاوزنا شارع الكورنيش قليلا يلاقينا شارع الوطن الشارع الذي كان يسهر سابقا حتى الصباح وتدب فيه الحياة طوال اليوم لكنه قد هجر بعد ذلك وأصبح شارعا عاديا يحوي بعض الفنادق والمطاعم والمحلات التجارية,لكنه طالما يروي لنا حكايات عن ماضيه وعن أيام شبابه .
وشارع الاستقلال الممتد من مستشفى التعليمي حتى الإعدادية المركزية وهو شارع مزدحم في النهار لوجود محلات الحجر والسيراميك ومرور باصات نقل الركاب من خلاله وتبرز أهمية هذا الشارع وجماليته كونه مزدحم دائما مما يعطي إحساسا بالحياة ويلقي قطرة أمل بالأمان والاستقرار شأنه في ذلك شأن شارع الكويت الذي يعد المركز الرئيسي لبيع الأجهزة الكهربائية والمنزلية يتخلله بعض بائعي الكتب وهو مؤشر جيد لأهالي البصرة كون مثل هذه الشوارع المكتظة بالناس تمثل عصب الحياة للمدينة فجمالية هذه الشوارع تكمن في امتلائها بالناس وعجها بالحياة.
على عكس هذه الشوارع المزدحمة هناك بعض الشوارع الهادئة الساكنة لكن هدوءها ليس مؤشر موت او ريبة وإنما تبعث في نفس من يزورها الإحساس بالراحة والابتعاد عن صخب المدينة ومن تلك الشوارع شارع الطيران نسبة إلى إحدى ساحاته التي تحوي نصب يمثل الخطوط الجوية العراقية فهو شارع هادئ نسبيا يبعث على الراحة والاطمئنان لاسيما انه محاذ لشط الخورة (احد فروع شط العرب) وتزين أرصفته أشجار الكالبتوس والزهور .
وفي نهاية هذا الشارع شارع الخورة المؤدي بدوره الى شارع الجزائر المركز التجاري الجميل بأسواقه ونبضه بالحياة حتى وقت متأخر من الليل ويعد هذا الشارع مقصد الزائرين من أهالي المحافظة وخارجها لجمالية عمارة المحلات والأسواق فيه ويلفت انتباهنا ونحن نمر بهذا الشارع صرح معماري إسلامي جميل وهو مسجد الموسوي الكبير بقببه الجميلة وساعته العملاقة وهو معلم من معالم الشيعة البارزة في البصرة .
ثم يستقبلنا شارع الخليج العربي الممتد من ساحة سعد حتى مركز المدينة (العشار), ساحة سعد بن أبي وقاص هي نقطة مشتركة بين كثير من شوارع البصرة فهي تقع بالقرب من الكراج الموحد الرئيسي لسيارات نقل المسافرين إلى المحافظات ومن خلالها تمر السيارات الذاهبة الى الزبير جنوبا والى أبي الخصيب ونواحيه والفاو شرقا ومناطق كرمة علي والقرنة والمدينة غربا والبصرة القديمة والعشار ومناطقه شمالا فهي موزع المحافظة وبرغم هذه الأهمية فقد عانت من إهمال البلدية والتصحر .
وقد كان لشركة نفط الجنوب دور كبير في إعادة الجمالية الى هذا الشارع وإظهار المدينة بالمظهر اللائق فقد قامت بتزيين وتشجير وترميم هذا الشارع وشوارع أخرى بجهود مباركة وبتمويل ذاتي من قبل الشركة نفسها .
وتفتقر هذه المنطقة الى أي معلم يدل على البصرة سوى جداريه تمثل صورة الشناشيل ونخيل البصرة وقبة مسجد الموسوي الكبير وبيتين من الشعر:
بصرتنا دار لمن زارها نحن فيها سواء والطارق
وكل ما فيها حلال له سوى ما حرمه الخالق
ولو اتجهنا نحو مركز المدينة نمر عبر الصناعية القديمة ومحلات الانشائيات ثم سوق البصرة القديمة ذلك السوق الشعبي الذي يحمل عبق السنوات بفروعه الضيقة وانحناءاته الجميلة التي لم تتغير ملامحها عبر السنين سوى بعض التغيرات البسيطة .
وعلى الجانب الأخر من السوق تستقبلنا المكتبة الأهلية تلك المكتبة من أقدم المكتبات في البصرة وكانت ملتقى الشعراء والأدباء والمثقفين في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.
ثم ساحة محلة السيف حيث أصبحت تقاطعا بعد إزالة النافورة الجميلة من جانبه والآن أصبح ساحة (علوة) لبيع الخضروات رغم وجود مصرف الرشيد ومقهى الشناشيل التراثي وجامع البصرة الكبير, وخلفها منطقة الشناشيل الأثرية الجميلة والبيوت التراثية الفريدة من نوعها بطريقة بنائها جعلها طابعا مميزا لمدينة البصرة .
ومرورا بمديرية الوقف الشيعي ودائرة ماء ومجاري البصرة حيث يرافقنا نهر العشار الفرع الثاني لشط العرب ومنطقة السيمر مرورا بديوان السيد عبد الله الموسوي وساعته الجميلة ثم يلاقينا تقاطع الجزائر بتمثال عتبة بن غزوان ونافورات أنشأت حديثا على الجانبين والشارع المؤدي الى العشار مرورا بساحة عبد الكريم قاسم وتبرز جمالية هذه الشوارع كونها ترافق نهرا من فروع شط العرب قال الحريري في مقاماته "يا أهل البصرة بلدكم أوفى البلاد طهارة وأزكاها فطرة وأوسعها دجلة وأكثرها نهرا ونخلة وأحسنها تفصيلا وجملة" ووصفتها الرحالة مدام (ديو لافورا) ببندقية الشرق ذات البيوت المخفية تحت ظلال غابات النخيل .
فلكل شارع من شوارع البصرة وكل ساحة من سوحها جماليته وخصوصيته التي تجعل من هذه المدينة أجمل المدن رغم الإهمال الواضح وقلة الخدمات ودمار الحروب والانفجارات فالبصرة أمانة في أيدي أبنائها فمتى يعي الأبناء هذه الحقيقة كي تنهض البصرة وتزدهر وتعود الى سابق عهدها وتغسل ثوبها من دماء أبنائها .
باقر جواد جعفر / خاص لموقع بصرتنا
|