لا يخفى على أي متتبع لأقوال الحكماء أنهم مدحوا الصمت مدحة جليلة ، فقالوا : إن لكل شيء دليلا ودليل العقل التفكر ودليل التفكر الصمت ، وقالوا إن الصمت باب من أبواب الحكمة وانه يكسب المحبة وانه دليل على كل خير

وقالوا : بكثرة الصمت تكون الهيبة ، بل قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا يعرف عبد حقيقة الإيمان حتى يخزن لسانه ، وقال داود لسليمان عليهما السلام يا بني عليك بطول الصمت فان الندامة على طول الصمت مرة واحدة خير من الندامة على كثرة الكلام مرات يا بني لو أن الكلام كان من فضة كان ينبغي للصمت أن يكون من ذهب .
لا يخفى أيضا انه لا يعرف فضل السكوت إلا بالكلام ،
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده
فلم يبقى إلا صورة اللحم والدم
بل لم يبعث الله رسله حيث بعثهم ومعهم فضة ولا ذهب ولكن بعثهم بالكلام وإنما عرّف الله نفسه إلى خلقه بالكلام والدلالات عليه والإعلام ، ولا استحقت الجنة بالسكوت ولا وُقيت النار بالسكوت وانّا لنصف فضل السكوت بالكلام وليس نصف فضل الكلام بالسكوت ولا ُيعدل القمر بالشمس .
ولكن هنا حقيقة جلية وهي أن العاقل هو الذي يضع الأمور في مواضعها والجاهل عكسه فالكلام أفضل من السكوت متى ما كان حقا لا باطلا وخيرا لا شرا ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله اصمت لسانك إلا من خير وقال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت وقال إملاء الخير خير من السكوت والسكوت خير من إملاء الشر . وقال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام ما خلق الله شيئا أحسن من الكلام ولا أقبح منه ، بالكلام ابيضت الوجوه وبالكلام اسودَّت الوجوه .
من نشرة بصرتنا